ابن أبي الحديد

9

شرح نهج البلاغة

ولا جمعت الصلاة إلا في مساجدكم ، ولا عرف الايمان إلا من أسيافكم ، فاملكوا عليكم أمركم ، فإن أبى هؤلاء فمنا أمير ومنهم أمير . فقال عمر : هيهات ! لا يجتمع سيفان في غمد ، إن العرب لا ترضى أن تؤمركم ونبيها من غيركم ، وليس تمتنع العرب أن تولى أمرها من كانت النبوة فيهم ، وأو لوا الامر منهم ، لنا بذلك الحجة الظاهرة على من خالفنا ، والسلطان المبين على من نازعنا ، من ذا يخاصمنا في في سلطان محمد وميراثه ، ونحن أولياؤه وعشيرته ، إلا مدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة ! فقام الحباب ، وقال : يا معشر الأنصار ، لا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه ، فيذهبوا بنصيبكم من الامر ، فإن أبوا عليكم ما أعطيتموهم فأجلوهم عن بلادكم ، وتولوا هذا الامر عليهم ، فأنتم أولى الناس بهذا الامر ، إنه دان لهذا الامر بأسيافكم من لم يكن يدين له ، أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب ( 1 ) ، إن شئتم لنعيدنها جذعة ( 2 ) ، والله لا يرد أحد على ما أقول إلا حطمت أنفه بالسيف . قال : فلما رأى بشير بن سعد الخزرجي ما اجتمعت عليه الأنصار من تأمير سعد بن عبادة - وكان حاسدا له ، وكان من سادة الخزرج - قام فقال : أيها الأنصار ، إنا وإن كنا ذوي سابقة ، فإنا لم نرد بجهادنا وإسلامنا إلا رضا ربنا وطاعة نبينا ، ولا ينبغي لنا أن نستطيل بذلك على الناس ، ولا نبتغي به عوضا من

--> ( 1 ) قال الزمخشري في الفائق 1 : 181 : ( الجذل : عود ينصب الإبل الجربى تحتك به فتستشفى . المحكك : الذي كثر به الاحتكاك حتى صار مملسا . والعذق ، بافتح : النخلة . والمرجب : المدعوم بالرجبة ، وهي خشبة ذات شعبتين ، وذلك إذا طال وكثر حمله . والمعنى : إني ذو رأى يشفى بالاستضاءة به كثيرا في مثل هذه الحادثة ، وأنا في كثرة التجارب والعلم بموارد الأحوال فيها ، وفى أمثالها ومصادرها ( 2 ) قال في اللسان : ( إن شئتم أعدناها جذعة ، أي أول ما يبتدأ فيها )